كيف يعمل ”قضاء“ الجيش الإسرائيلي كدرع للاحتلال

كيف يعمل ”قضاء“ الجيش الإسرائيلي كدرع للاحتلال

ما يزال الفلسطينيون يرزحون تحت نير نظام عسكري إسرائيلي يقتل ويسيء وينكل بهم منذ نحو 50 عاماً، دون أن يترك لهم وسيلة للمطالبة بالمساءلة. ويعتبر الجهاز الوحيد الذي يستطيع الضحايا من خلاله تحقيق العدالة مهزلة محضة، إذ يتفاخر الجيش الإسرائيلي بتعيين النيابة العامة العسكرية للتحقيق في مئات الحوادث التي تعرض فيها الفلسطينيون للأذى على أيدي الجنود الإسرائيليين. أما على أرض الواقع، لا تعتبر النيابة العامة العسكرية سوى أداة للتمويه على الجرائم التي ترتكبها القوات الإسرائيلية وحماية الجيش من المساءلة.

يكشف تقريرنا الذي صدر مؤخراً "ورقة التوت التي تغطي عورة الاحتلال: جهاز تطبيق القانون العسكري كمنظومة لطمس الحقائق"، عيوب الجهاز القضائي. وتجمع منظمتنا هذه البيانات في المقام الأول لعدم تمكن الفلسطينيين من تقديم شكاوى مباشرة لدى نظام تطبيق القانون العسكري. فقد قمنا نيابة عن الفلسطينيين ولأكثر من 25 عاماً بتقديم مئات الشكاوى لدى السلطات العسكرية، إلا أن معظم تلك الجهود كانت تذهب سدى نظراً لأوجه القصور الموجودة في هيكلية ذلك الجهاز.

وبادئ ذي بدء، يصعب توصيف الولاية القضائية لنظام تطبيق القانون العسكري الذي يقوم فقط بالتحقيق في الحوادث التي يشتبه فيها قيام الجنود ذوي الرتب المتدنية بخرق الأوامر أو التوجيهات، وبالتالي لا يتحمل كبار المسؤولين في الجيش والحكومة أي مسؤولية. وبهذا، تكون صلاحيات نظام تطبيق القانون محدودة حتى عند تنفيذه للمهام الموكلة اليه والتي عادة ما يتنصل منها.

يصاب المرء في بعض الأحيان بالدهشة جراء اللامبالاة التي تظهرها سلطات التحقيق، فعلى سبيل المثال، يظهر تقريرنا أن الحالات التي يفقد فيها الجيش الملفات أكثر بكثير من الحالات التي يقوم بتوجيه التهم فيها. لقد قمنا منذ عام 2000 برفع 739 قضية عن حوادث قام فيها جنود إسرائيليون بقتل أو الإساءة أو ضرب الفلسطينيين أو استخدامهم كدروع بشرية أو إلحاق الضرر بممتلكاتهم. وتظهر التحليلات أنه تم تصنيف 44 قضية على أنها "ملفات مفقودة". ولم تقم المحكمة بالنظر إلا في 25 قضية أي ما نسبته ثلاثة بالمئة، في حين لم يتم التحقيق أبداً في 182 قضية، كما أغلقت التحقيقات في 343 قضية، أي النصف، ولم يتم اتخاذ أي إجراء آخر.

عملية التحقيق بطيئة إلى حد لا يطاق، حتى أن قرار فتح التحقيق من عدمه يستغرق في كثير من الأحيان وقتاً طويلاً. وعندما يتم فتح التحقيق، يقتصر الأمر على إجراء مقابلات مع الجنود الذين لا يُطعن في شهاداتهم المتناقضة. وعند الانتهاء من عملية التحقيق وسماع شهادات الجنود، تقوم النيابة العامة العسكرية عادةً بإيجاد طريقة لتفسير الأدلة أو القوانين على نحو يضمن إغلاق القضية أو المماطلة بها إلى أجل غير مسمى.

تعتبر نتيجة التحقيق تمثيلية هزلية تبدو ظاهرياً وكأنها تتمتع بكل خصائص الجهاز القضائي الفعال، فهناك محققون وهناك نيابة عامة، وتقوم المحكمة بسماع الشهادات والنظر في الأوراق والدخول في إجراءات طويلة. ويسمح هذا المظهر من مظاهر الجهاز القضائي الفعال للمسؤولين الإسرائيليين بالادعاء بأن إسرائيل تقوم بتطبيق القانون، ويضفي على الاحتلال صبغة الإنصاف، في إسرائيل وخارجها.

وفي خضم هذه المهزلة القانونية، يتوقع من منظمات حقوق الإنسان بمن فيها مركز )بتسيلم( أن تلعب دور المقاول الفرعي في نظام التحقيق العسكري، فنحن نقوم بتقديم الشكاوى، وجمع البيانات، والحصول على الوثائق وغير ذلك من الإجراءات. وعلى الرغم من أن هذه المهمة لا تقع ضمن مسؤولياتنا، إلا أننا قررنا القيام بهذه المهام منذ 25 عاماً على أمل المساعدة في تحقيق العدالة للضحايا، إلا أن تعاوننا مع نظام التحقيق العسكري وتطبيق القانون لم يحقق العدالة، بل على العكس، قمنا بإضفاء شرعية غير مبررة للاحتلال.

لم نتوصل إلى هذه النتيجة المريرة إلا في الآونة الأخيرة بفضل الخبرة والمعرفة المتراكمة حول كيفية عمل الجهاز القضائي والجهات المتحكمة به. لهذا السبب، قررنا وقف تقديم الشكاوى لدى السلطات العسكرية، وندعو الفلسطينيين إلى أن يحذوا حذونا. وسيتم استخدام الموارد التي تم استثمارها حتى الآن في جهود غير مجدية على نحو يساعد على فضح الجهاز القضائي وما هو عليه: ورقة التوت التي تغطي عورة الاحتلال.

سوف نستمر في توثيق الانتهاكات الاسرائيلية لحقوق الانسان في الأراضي المحتلة والإبلاغ عنها، وسنواصل جمع الشهادات والأدلة، والاجتماع بأسر الضحايا، إلا أننا لن نكون جزءاً من منظومة طمس الحقائق التي يتبناها نظام تطبيق القانون العسكري. وللأسف، لن يسرّع هذا القرار من إجراءات تحقيق العدالة، لكن على الأقل لن تعاني أسر الضحايا أملاً كاذباً بأن يتأتى عن "العدالة" العسكرية أي مظهر من مظاهر الصدق. وستتوفر فرص جديدة عندما نسمي نظام تطبيق القانون العسكري بالاسم الذي يليق به بالفعل، وعندما نحرم الاحتلال من إحدى أكثر استراتيجياته الدعائية فعالية حتى الآن.

Learn More:

Add your voice