مساعدات الولايات المتحدة للشرق الأوسط: في الليلة الظلماء يفتقد البدر

مساعدات الولايات المتحدة للشرق الأوسط: في الليلة الظلماء يفتقد البدر

في بداية ثورات الربيع العربي التي اجتاحت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في عام 2011، أعلن الرئيس أوباما أن الولايات المتحدة ستقف إلى جانب هؤلاء الذين يكافحون من أجل حقوق الإنسان والديمقراطية، حيث أثار خطابه وخطابات كبار المسؤولين الأمريكيين الآمال في العالم العربي بأن سياسة الولايات المتحدة ستشهد في القريب العاجل تغييرات هامة طال انتظارها.

وبدأت التحولات منذ ذلك الحين، وبعد فترة وجيزة من التفاؤل واسع النطاق بأن الديمقراطية ستسود المنطقة، أعادت الأنظمة الاستبدادية احكام قبضتها من خلال إصدار قوانين صارمة استهدفت المجتمع المدني، وبهذا بدأت المساحة المحدودة أصلاً أمام منظمات المجتمع المدني، لاسيما المجموعات المؤيدة للديمقراطية، بالانكماش في جميع أنحاء المنطقة لاسيما في مصر والأردن وليبيا والمغرب.

وخلال هذه الفترة الحرجة، خفت بريق وعود الدعم التي قطعها أوباما على نفسه. وعلى خلفية تراجع الديمقراطية وزيادة الممارسات القمعية، ما يزال الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة يتسم بعدم الاتساق والفتور، إذ لا تمارس الولايات المتحدة ضغوطاً حقيقةً على حلفائها الاستبداديين حيث كانت تتخذ في بعض الأحيان بعض المواقف من خلال رسائل خاصة أو بيانات تدين فيها حملات قمع استهدفت المجتمع المدني، إلا أنها أخفقت وإلى حد كبير في تحقيق وعودها، فلم تُتبع أقوالها بالأفعال، وبدلاً من ذلك، فقد ذهبت مرة أخرى إلى إعطاء الأولوية للعلاقات العسكرية البحتة التي تربطها مع تلك الأنظمة القمعية مقابل تحقيق الأمن على المدى القصير. ففي عام 2013، عبّر الرئيس أوباما عن موقفه المساند لمبادرة المجتمع المدني حيث تعهد بأن الحكومة الأمريكية ستقف بحزم مع أفراد المجتمع المدني الذين يواجهون ضغوطاً ومضايقات وتهديدات من حكوماتهم، إلا أن إدارته وقفت موقف المتفرج إزاء الممارسات المستمرة للحكومة المصرية، ثاني أكبر مستفيد من المساعدات الخارجية التي تقدمها الولايات المتحدة على مستوى العالم، الرامية إلى القضاء على المجتمع الفاعل لمنظمات حقوق الإنسان المستقلة.

وتقوم منظمة مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط سنوياً ومنذ عام 2008 بنشر تقرير ينظر في الميزانية والاعتمادات الفيدرالية الأمريكية المخصصة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يعد الأمر مهماً ليس فقط لتحديد ما يطرأ على مخصصات الميزانية أو برامج المساعدات الخارجية من تغييرات معينة، بل أيضاً لأن هذه التغييرات والاتجاهات تكشف أولويات السياسة الأمريكية وطريقة تفكيرها.

وتظهر التحليلات الواردة في التقرير الذي نشرته منظمة مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط حول الميزانية السنوية للإدارة الأمريكية منذ تولي أوباما منصبه درجة التراجع في سياسات الولايات المتحدة، ومشاركاتها والمساعدات التي قدمتها لتلبية احتياجات الديمقراطية في المنطقة، حيث بلغت مخصصات تمويل برامج تعزيز الديمقراطية والحكم الرشيد في ظل إدارة أوباما أعلى نسبة لها في طلب الموازنة الأول للسنة المالية لعام 2010 وذلك بنسبة (7.4%)، أو 380 مليون دولار أمريكي؛ في حين بلغ متوسط تلك المخصصات (4.8%) سنوياً وذلك منذ السنة المالية لعام 2011 حتى الموازنة النهائية المقدمة للسنة المالية لعام 2017. وفي عام 2015، أنفقت الإدارة الأمريكية في مجال الديمقراطية (180) مليون دولار أمريكي فقط، وهو أدنى مستوى منذ تولي أوباما الرئاسة. وفي المقابل، ازدادت مخصصات المساعدات العسكرية والأمنية التي تقدمها الولايات المتحدة للمنطقة والتي شكلت أصلاً النسبة الأعلى للمساعدات الأمريكية منذ تولي أوباما منصبه ، لتصل إلى مستوى (73.4%) أو 5.38 مليار دولار وذلك كما ورد في طلب الموازنة النهائية للسنة المالية لعام 2017.

وعلاوة على ذلك ووفقاً لمكتب المساءلة الحكومية، فقد فشلت وزارة الخارجية ووزارة الدفاع في تحديد الطرق الحقيقية التي يتم فيها إنفاق تلك المساعدات الأمنية. وعلى الرغم من وجود قيود قانونية تهدف إلى ضمان عدم استخدام تلك المساعدات الأمنية الأمريكية ضد المجتمع المدني، إلا أن المسؤولين الأمريكيين، للأسف، لا يرغبون في كثير من الأحيان في الامتثال لتلك القوانين خشية إضعاف العلاقات الوثيقة القائمة مع الحكومات القمعية.

وبالإضافة إلى ذلك، طالبت إدارة أوباما مراراً وتكراراً الكونجرس إلغاء أو الحد من أثر "تعديل براونباك" أحد النصوص التشريعية الأساسية التي تنص على عدم قيام وزارة الخارجية بالحصول على موافقة مسبقة من الحكومات عند تقديم المساعدات للمنظمات غير الربحية وجماعات المجتمع المدني في بلادهم. ولحسن الحظ، فقد رفض الكونجرس ذلك الطلب، إلا أن الجهود التي كانت الإدارة الامريكية تمارسها باستمرار أضعفت فكرة أن الرئيس أوباما "يقف مع المجتمع المدني."

وعلى الرغم من اقتراب فترة حكم إدارة أوباما من نهايتها، إلا أنها تترك وراءها إرثاً من العلاقات الوثيقة القائمة مع الحكومات القمعية في المنطقة، في حين تنخفض المساعدات المقدمة في مجال إحلال الديمقراطية وحقوق الإنسان والحكم الرشيد في الوقت الذي يكون فيه الجميع بأمس الحاجة لتلك المساعدات. وفي هذا السياق، تعتبر تونس الأمل الوحيد المتبقي من الإرث الإيجابي للإدارة الأمريكية في الوطن العربي، حيث حققت البلاد تقدماً تاريخياً هاماً في عملية الانتقال الديمقراطي، إلا أنها ما تزال تواجه تحديات هائلة. وللأسف، فقد كانت تونس حدثاً ثانوياً بالنسبة للإدارة الأمريكية، إذ ما تزال تتلقى اهتماماً ودعماً ومساعدات أمريكية أقل بكثير مما يتلقاه المستفيدون التقليديون مثل مصر والأردن والمملكة العربية السعودية.

يتعين على الإدارة الأمريكية القادمة إعادة النظر في العلاقات البالية التي تربطها بحلفائها العرب في مجال تقديم المساعدات، على أن تكون أكثر التزاماً بدعم مبادرات الإصلاحات الديمقراطية الحقيقية، ومواجهة انغلاق الأفق السياسي في المنطقة. وخلال هذه الأوقات العصيبة التي تمر بها المنطقة برمتها، من الأهمية بمكان التزام الولايات المتحدة في توفير الدعم العملي والتعبير من خلال رسائل رمزية عن وقوف أمريكا إلى جانب المجتمع المدني.

Learn More:

Add your voice