قانون الجنسية اللبنانية ينجب عديمي الجنسية

قانون الجنسية اللبنانية ينجب عديمي الجنسية

بعد الفرار من الحرب الأهلية في لبنان عام 1987، انتقلت مع أسرتي إلى السويد حيث قضيت معظم سنين فترة المراهقة هناك قبل أن أنتقل إلى بلدان أخرى لإكمال دراستي وإيجاد فرصة عمل. وقبل أن أبلغ من العمر (31) سنة لم أكن على علم بأنني لن أكون قادرة على منح جنسيتي اللبنانية لأطفالي، ليس لأنني لم أعد أقيم في لبنان، بل لأنني امرأة.

إن المادة /1/ من قانون الجنسية اللبنانية واضحة تماماً: يعتبر الطفل لبنانياً إذا كان مولوداً لأب لبناني. وبعبارة أخرى، يسمح القانون للرجال اللبنانيين منح جنسيتهم لأطفالهم ولزوجاتهم غير اللبنانيات، لكن يجرد المرأة اللبنانية من حقها في منح جنسيتها لأطفالها في حال لم يكن الزوج لبنانياً.

ينطوي القانون على تداعيات كبيرة للمرأة اللبنانية وأطفالها. لقد عدت في عام 2009 إلى لبنان للاطلاع شخصياً على بعض تلك التداعيات. لم تكن النساء اللبنانيات اللواتي تحدثت إليهن يدركن البتة وجود مثل ذلك القرار، لذلك لم يأخذن في الحسبان جنسية أزواجهن عندما قررن الزواج، فقد أدركت كل تلك النساء اللواتي تزوجن برجال غير لبنانيين عواقب قرارهن عندما حاولن تسجيل مولودهن الأول، حيث أخبرهن الموظفون بأنه لا يمكن إضافة أطفالهن إلى البيان العائلي لأنهم لا يعتبرون هؤلاء الأطفال لبنانيين.

تباينت التداعيات بالنسبة لتلك النسوة، فقد تمكن بعض الأطفال من الحصول على جنسية آبائهم، إلا أن هؤلاء الأطفال والآباء بحاجة إلى استصدار تصريح إقامة للبقاء في البلاد، كما لا يمكنهم العمل إلا إذا كان صاحب العمل على استعداد لدفع الرسوم للحصول على تصريح عمل لهم. في السنوات الأخيرة، تم تخفيف أحكام قانون تصريح الإقامة عندما تم السماح للأزواج الأجانب والأطفال المولودين لأمهات لبنانيات من الحصول بالمجان على تصريح إقامة لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد، إلا أن هذه العملية معقدة وتخضع لأهواء الشخص المسؤول عن الملف. وبالإضافة إلى ذلك، يواجه كل من الأزواج الأجانب والأطفال المولودين لأمهات لبنانيات عقبات في الحصول على حقوقهم الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية، في حين تكون تلك العواقب بالنسبة لآخرين كارثية. التقيت مع نساء لم يتمكن أزواجهن من منح جنسياتهم للأطفال ما جعلهم عديمي الجنسية، وتتمثل الوثيقة القانونية الوحيدة التي يحملها هؤلاء الأطفال في ورقة تصدر عن المختار للاعتراف بوجودهم. وعلى الرغم من أنهم ولدوا لأمهات لبنانيات وعاشوا كل سنين حياتهم في لبنان، إلا أن قيدهم "المكتوم"، الذي من المرجح أن ينقلونه إلى أطفالهم، يعني بأنهم لا يتمتعون بأي حقوق. لقد تحدثتْ كل النساء اللواتي التقيت بهن عن آلامهن وحالة الإذلال والغضب التي تعتريهن اتجاه السلطات والمجتمع اللبنانيين نظراً للتعامل معهن ومع أطفالهن كمواطنين درجة ثانية.

لا يمكن للمرء فهم هذا القانون، إذ يعتبر لبنان من الدول العربية الليبرالية والمتقدمة نسبياً، لكن عندما يتعلق الأمر بالمساواة بين الجنسين، يغدو الطريق طويلاً لتحقيق ذلك.

يعترض المسؤولون اللبنانيون وغيرهم الكثير ممن تحدثت إليهم على منح المرأة الحق في نقل جنسيتها لأطفالها وزوجها، حيث يقولون بأن توسيع هذا الحق ليشمل المرأة قد يخل بالتوازن الديموغرافي في البلاد، في حين لم يستطع أي منهم تفسير كيف لا يخل الرجال بذلك لتوازن عندما يمنحون جنسيتهم لأطفالهم.

ذهب البعض إلى القول بأن مواطني الدول العربية الأخرى سيغزون لبنان كي يتزوجوا من نساء لبنانيات للحصول على الجنسية اللبنانية. إن هذا القول مثير للسخرية، فلطالما هاجر اللبنانيون إلى أوروبا وأمريكا الشمالية بهدف الحصول على جنسية ثانية.

لا ينحصر هذا التمييز على لبنان فقط، بل على عدة بلدان أخرى في المنطقة، مثل الأردن وسوريا ومعظم دول الخليج التي ما تزال تنص قوانينها على حق الأب فقط في نقل جنسيته إلى طفله. لقد سافرت في جميع أنحاء المنطقة وأجريت مقابلات مع نساء من خلفيات اقتصادية ودينية واجتماعية مختلفة حيث قمت بتسجيل شهاداتهن التي تثبط العزيمة وتثير السخط في فيلم وثائقي قصير بعنوان: بلد أمهاتنا بلدنا.

Women’s Refugee Commission

في عام 2013، رزقنا أنا وزوجي البريطاني، بن، بابنتنا، كلوي. في ذلك العالم، شاءت الأقدار بأن يحصل (بن) على وظيفة في لبنان مع الأمم المتحدة قبل بضعة أشهر من موعد ولادتي، وهكذا ولدت (كلوي) في بيروت وحصلت على شهادة ميلاد لبنانية. هذا كل ما حصلت وستحصل عليه ابنتي ما لم تقم لبنان بإجراء إصلاحات على قانون الجنسية الجائر والتمييزي. وبينما كنت أحمل ابنتي بين ذراعي في المستشفى، كان كل ما أفكر فيه هو كيف ستنظر (كلوي) إلى لبنان في المستقبل؟ هل ستتمكن من الإقامة في لبنان لأكثر من شهر في كل مرة تزور بها جدتها؟ هل ستكون قادرة، كشخص بالغ، على العيش هناك بكرامة أم سيعتبرونها أجنبية؟

لحسن الحظ، تحمل (كلوي) جنسية أخرى وتعيش في وضع أفضل من آلاف الأطفال المولودين لأمهات لبنانيات وآباء عديمي الجنسية. وما لم تتغير الأمور، سيبقى كل أولئك الذين ولدوا كأشخاص عديمي الجنسية على هذا النحو، وسيجلبون إلى العالم المزيد من عديمي الجنسية. نحن نعمل مع شركائنا في المجتمع المدني في لبنان والمنطقة كالمفكرة القانونية التي تسعى جاهدة لمعالجة هذا الوضع الجائر وسد الثغرات في فهم مفهوم الجنسية في المنطقة. معاً، يجب علينا أيضاً تعزيز مفاهيم بديلة للجنسية والمساواة بين الجنسين من شأنها جعل مجتمعاتنا أكثر انفتاحاً، على أمل أن تصبح (كلوي) يوماً ما لبنانية حقاً.

Learn More:

Add your voice